قد ننهي رواية منذ سنوات، ثم نتذكر شخصية منها وكأنها شخص عرفناه فعلًا. نتذكر ملامحها، كلماتها، خوفها، وحتى تفاصيل لم تذكرها الرواية صراحة. فكيف تصبح شخصية من الخيال جزءًا من ذاكرتنا؟
السر ربما يكمن في أن الشخصيات الروائية لا تعيش على الورق وحده؛ نحن نمنحها شيئًا من مشاعرنا وتجاربنا. نرى في الشخصية جزءًا منا، أو جزءًا من شخص عرفناه، أو ربما صورة لحياة تمنينا أن نعيشها ولم نعشها.
نحن لا نتعلق دائمًا بالشخصيات المثالية، بل كثيرًا ما ننجذب إلى الشخصيات التي تشبهنا في ضعفها وترددها وأخطائها. الشخصية التي تخطئ ثم تحاول، تخاف ثم تواجه، أو تبحث عن نفسها وسط عالم مرتبك، تجعلنا نشعر أنها حقيقية.
وأحيانًا يكون تعلقنا بالشخصية انعكاسًا لمرحلة نعيشها. فقد نقرأ الرواية نفسها في عمرين مختلفين، فنحب شخصية لم ننتبه إليها من قبل، أو نفهم موقفًا كان يبدو لنا غريبًا. تتغير قراءتنا لأننا نحن أيضًا تغيرنا.
لهذا، ربما لا تكون الرواية الجيدة هي التي نحفظ أحداثها فقط، بل التي تترك لنا شخصًا من داخلها لا نستطيع نسيانه.
وعندما نغلق الكتاب، تنتهي الحكاية على الورق، لكن بعض شخصياتها تظل معنا طويلًا؛ لأننا، بطريقة ما، لم نكتفِ بقراءتها.. بل عشنا معها.






